Posted by: sawafamily | ديسمبر 15, 2007

ملحمة نصف الليل

كان الوقت مساء ، وكنت عائدًا من جولة ترفيهية في القاهرة ،فاتجهت الى موقف السيارات قاصدا سيارة المنصورة ، فوجدت سائقا ينادي على ركاب فاتيته وركبت في المقعد الامامي – وهو لمن لا يعرف له قدرة عجيبة على استيعاب راكبين بجوار السائق بغض النظر عن قواعد السلامة وباستخدام القاعدة الوحيدة التي نجيد استعمالها ” ربنا سيستر ” ، فوجدت من ينحني على السيارة وينظرني من النافذة المقابلة واذا به السائق ، و سالني ان كنت ساخذ المقعدين الاماميين وادفع اجرهما فاجبته بالنفي ، فاذا بالحاجبين قد تلاقيا والوجه المبتسم اصبح باردا كالثلج املس كالافعى ، وقال لي – بعد ان كان قد خاطبني بيا استاذ – :

  – اذن اتجه الى المقعد الخلفي لعل احدهم ياتي ويدفع اجرين و ذلك فيما يعرفه الناس اهانة ، فاجبته :

  – وان لم يات رجلك ذاك ؟! 

رد وقال :                 

  – اذن يجلس بجواري رجلان رشيقان .

     آه من اهاناته ، يتحدث لي عن الرشاقة وانا رشيق كالغزال في مقتبل العمر ولم يزد وزني على على المئة وعشر كيلوات منذ سنتين ، حرت في امري واسقط في يدي ، فليس بخيار ذكي افتعال مشكلة وسط ربعه السائقين ، وليس بمثلج لصدري السكوت عما حدث ، فآثرت الصمت والصبر واضمار العداوة وبلعت الاهانة على مضض ، ولا اخفي عليك اني متاكد بانها هي سبب المغص الذي يلازمني منذ يومين .

     وفي صمت فتحت الباب وتوجهت نحو المقعد الخلفي ولم انسى بعض حركات الغضب كصفع الباب وصب الغضب على سلسلة المفاتيح في جيبي  وبعض النظرات المحرقة التي وجهتها للسائق الذي حاول جاهدا تفاديها لكن بعضها اصابه في مقتل .

     كمل عدد الركاب ، وانطلقت الرحلة ، وصديقنا لم يحظ بغزالتيه – ايضا لم يكونا مثلي – ، وظلت عيني ترجف وما بقي من شعر في راسي يتطاير من الدم المشتعل في عروقي ، فآثرت ان افكر في شيء لا يرفع ضغط دمي ولا يصيبني بالصلع المبكر ،  فأخذني الفكر برهة في بعض الأمور الدنيوية وصفا دمي مما كان قد شابه من شائبات و انسجمت مع افكاري . يا الله ! ما اجمل الفكر الصافي ! بماذا يذكرني؟؟ اظن ان ذاك هو اشبه ما يكون بنسمة هواء بارد تخللت ليلة صيف حارة ان اجدت التشبيه ، وفي خضم افكاري لوث سمعي ما قد اصابني في مقتل ، احد الركاب كان ايضا من ضحايا التنظيم الاجباري الذي يفرضه علينا السائق حسب عرض الكتفين وحجم المقعدة ولم ار من يفعل ذلك سواه ، كان قد تعرض لاهانة شبيهة و لكني لا اذكرها ، واذا بي اجده يتملق السائق ويثني على سواقته ، ما اعجب طبع البشر ! ان احترمته اهانك وان اهنته قدرك واعجب بك .

     فاتت كلماته تلك علي كما ياتي السكين قطعة زبد طازجة ، تفتحت جروح كرامتي التي لم تكد تلتئم ، وسالت دماء كبريائي فاغرقت صفاء افكاري ، واحسست بالدم يجول عروقي مجددا و بدأت افكر في عقاب منصف اذلك السائق :

  - نزولنا سيكون في مكان منقطع يخلو من الناس الجائلة التي تستمتع بمجرد الوقوف في منتصف القتال ومد ذراعيها ليلتصق كل كف بوجه واحد من المتقاتلين ، لا فضا للنزاع وانما لمتعة يجدها هو في امر كهذا ، وايضا والاهم ان مكان النزول خارج الموقف و لا وجود لاصدقائه السائقين هناك ، وسيكون طرحه ارضا ورفس بطنه ووجهه حل مرض لكرامتي وسهل ايضا نظرا لرشاقتي و ضئالة حجمي …… لا ، لا احبذ ذلك .. دموي جدا … متعد جدا ….جائر جدا .

   – ايقاعه في خطأ اخر يستحق به ما ذكرته للتو ، وفكرت ان أخر دفع الاجرة الى ان نصل فالقيها في وجهه وانتظر منه كلمة يحكم بها على نفسه بالبيات هذه الليلة متوسدا دمه المتخثر . ما هذا ؟ منذ متى وهذه الافكار تجول ببالي ، لا أدري ماذا زرع بي هذه الوحشية ، اظن انها افلام الرعب ، هل يمكن ؟ ان اخر ما شاهدته منها كان من سنتين ولم اكن اشاهده باختياري.

- ادفع الاجرة مع باقي الركاب ، واتغاضى عما قد سلف وكأن شيئا لم يكن .

     ما هذا الحل البارد ، اهكذا يمر الامر بسلام ؟ اهكذا تهون اهانتي على نفسي ؟ ماذا بقي لي من عزة نفسي بعد شيء كهذا ؟ كيف انظر لنفسي في المرآة ؟ ولكن اليس هذا اقرب للصواب ؟ نعم … واقرب للجبن ايضا ، لا … لا اظن ، ليس للجبن مقام هنا ، عندي القدرة وانسى و اصفح ، هذا ليس جبنا ، ولكن ان سكت على هذه تسكت عن غيرها فهضم الناس حقك وما عاد احد يبالي غضب ام لم يغضب ، رضي ام لم يرض ، اهذا ما تريد ؟ حرت وثقل فكري ، أصعب هكذا اتخاذ قرار بسيط كهذا ؟ انه ببساطة اين يبيت السائق هذه اليلة ؟ ولكن ما كان ذاك بسهل ابدا ان سكت عنه سكت عن غيره ، وان ظلمته ظلمت غيره ، فلما رايت ان الامر صعب علي وما عدت قادرا على اتخاذ القرار وجدت من العقل ان يرجع المرء لاساسه المتين ، واني ما وجدت اساسا اقوى من الاسلام و قدوة احسن من رسول الله – صلى الله عليه وسلم -  ، واتنمى ان اقدر بناية كل ما اقول وافعل على سيرة الرسول ، فبحثت في سيرته عما قد يشابه ما حدث ، فتذكرت يوم كان الرسول جالسا مع ابي بكر الصديق – رضي الله عنه –  فسب رجل ابا بكر فسكت فسبه الثانية فنظر الى الرسول محمد فوجده صامتا فسكت فسبه الرجل الثالثة فرد عليه ابو بكر فقال الرسول فيما معناه ان ملكا كان يرد عليه بدلا منه فلما رددت ذهب ، لست اظن اني ما زلت في حيرة من امري …. ماذا ؟… الأجرة ؟…. حسنا ؟

     استطعت ان اكمل باقي الطريق في صفاء ، وكان ذلك يوما من الايام القلائل التي استطعت فيها الانتصار على نفسي ،  فوجدت بانه جدير ان اسجله .

رجل يهوى الإنتصار


الردود

  1. هههههههههههههههه
    فعلا عندك حق المسامح كريم
    اشكرك على هذا الموضوع الرائع
    والفكره الهادفه

  2. أشكرك على اهتمامك وتعليقك
    المسامح كريم فعلا
    بس مش عارف ممكن لو شوفته تاني يبقى في كلام تاني

  3. يا راجل انسى بقى اللي فات مات


اترك رداً

ردك:

التصنيفات